منى تكتب عن زوجها عبد الله حمدوك وحادثة محاولة اغتياله

كتبت زوجة رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك منى عبد الله مقالاً عن زوجها، حيث كانت أول من أشارت إلى نجاته من محاولة اغتيال تعرض لها صباح اليوم.

مقال منى:

لا شيء يضعف العزيمة..
عرفتموه كرئيس لوزراء الفترة الانتقالية وعرفته زوجاً، وصديقاً ورفيق الدرب وشريك العمر، حلوه ومره قرابة الثلاثين عاماً وأتمنى أن تطول.
أكثر وصف ينطبق عليه أنه رجل مبدئي تحكمه مبادئ عالية في كل خطوة يخطوها لا يتنازل عن مبادئه مهما كان الثمن وحتى لو كان خصمه نذلٌ ووضيع، ولأجل مبادئه يقدم على أشياء يجبن أكثر الناس شجاعة عنها.
لم يكن سكيراً ولا متهتكاً ولا صعلوكاً يشهد عليه الأعداء قبل الأصدقاء فهو دائماً “رزينا متزنا صبوراً”، يؤمن بالله ورسوله وأن لكل أجل كتاب، لا يقدم ولا يؤخر، ولذلك تجده عند الشدائد دائم الثبات كالصخرة الصلبة لا يتزحزح ولا يهتز.

لا يهلع ولا يهتز لمكروه أو حادث، تحدث معي بعد الحادث بدقائق بنفس هدوئه المعتاد و بنفس “التون” الذي كنا نتحدث به ونحن نشرب شاي الصباح وكأنما يتحدث عن امتحانات ولدينا أو حالة الطقس.

يرتكز عليه كل من حوله عند المحن، يلجأ إليه البعيد والقريب فيجد عنده المشورة والرأي ويجد عنده الدعم والمؤازرة الصادقة. يقف مع أصدقائه وأهله عندما يحتاجونه.. يشجع المرضى ويساند الضعيف وينصف المظلوم تشهد عليه جميع المؤسسات التي عمل بها.

دائما يفكر في راحة ورفاهية الآخرين قبل نفسه حتي بعد محاولة الاغتيال كان أول ما فكر فيه هو ما يمكن أن يصيبنا من هلع عند سماع الخبر من الآخرين، فاتصل بي بعد دقائق من وقوع الحادث ليقول لي “أولا انا بخير …والله العظيم أنا بخير- ثانيا حدث كذا وكذا قبل دقائق لا تقلقي وطمئني الآخرين أنا بخير.. انتي سامعاني”..

ولحظتها خانتني كل قواي السمعية وتعطل النطق عندي إلى أجل.

عبدالله يحترم شعور كل الناس حتى الأعداء منهم …يحترم الرأي الآخر مهما اختلف معه.

لم أره يعادي أحد حتى من أبدوا له العداء السافر ومهما بلغت درجة الخلاف معهم، بل يركز دائما علي إيجاد نقاط الاتفاق أكثر من التركيز على نقاط الاختلاف.

له فلسفة قد لا اتفق معه فيها وهو أنه بداخل كل انسان -مهما كان شريرا- توجد بعض بذور الخير وأننا يجب ان نعزز ذلك الجانب الخير بقدر المستطاع.

أعتقد أن ذلك كان السبب الرئيسي في أنه استطاع أن يبني صداقات صلبة حقيقة ومخلصة اختبرتها الظروف وصمدت على مر الأيام .

ترددت كثيراً عندما عرض عليه تولي منصب رئيس الوزراء للفترة الانتقالية بل ورفض، ولكنه قبل بعد جهد جهيد لأن هناك من دفع عمره ثمناً للحرية ودفنت آماله الخضراء معه تحت التراب… فمن هو حتى يرفض أن يسهم ولو بقدر قليل.
أتى إلى السودان يحمل حلم السودان الموحد والمشروع الوطني الذي يضم الكل تحت لوائه وأشهد الله أنه لم يفقد الأمل أو ييأس من تحقيق هذا الحلم رقم قسوة الواقع.

عمل كلما في وسعه لتحقيق هذا الحلم. لا يطمع في أي مكسب شخصي على الإطلاق والله علي ما أقول شهيد.

تمتد ساعات عمله اليومية من السادسة صباحا حيث يقرأ ملفات الأمس ويجهز عمل اليوم قبل الذهاب إلى المكتب والانخراط في الاجتماعات الطويلة، ويمتد يوم عمله حتى السادسة أو السابعة مساءً في الأيام العادية، وكثيراً ما يستمر حتى الثانية صباحاً أو ما بعدها عندما يكون هناك طارئ.
ليس لديه وقته الخاص أو ساعات الراحة الخاصة به ناهيك عن تلك العطلة التي كنا نعرفها في السابق باسم عطلة نهاية الأسبوع.

فالأسبوع والشهر والأيام كلها الآن أصبحت كالحلقة المفرغة التي ليس لها نقطة بداية أو نقطة نهاية ورغم ذلك لم أسمعه يتذمر من إرهاق أو تعب أو يشكو من احباط، حتى عندما تتعقد الأمور وتصل بنا إلى محطات قاتمة، تلك المحطات التي دائما ما تقذف بي إلى بئر من الإحباط والتشاؤم أقول له ” هو نحن الجابرنا على المر ده شنو؟ ” يقول لي: أكيد فيه تفسير أو أكيد فيه حل.

أكيد يمكن المعالجة خلينا ننجز ما جئنا من أجله رغم العوائق والعراقيل التي يتفنن النظام البائد في خلقها …خلينا ننجز حتى لو شكك البعض في قدراتنا على فعل ذلك ..ده عهد أنا قطعته لا أستطيع النكوص عنه”.
عبدالله ليس لديه أي طموحات شخصية في مستقبل سياسي من أي نوع بعد نهاية الفترة الانتقالية لم يكن لديه قبلها ولا أثنائها ولن يكون بعدها، لديه الآن واجب وسيسلم الأمانة للحكومة المنتخبة ديمقراطيا (نتمنى) قبل أن يمضي ولولا خوفي من ان اتهم بالتخاذل والخوف لرجوت ان تقصر فترة تولي عبد الله رئاسة الفترة الانتقالية لأقصى حد ممكن.

ليس هناك ما يبهر أو يدفع للتمسك بالسلطة. نحسبها باليوم وبالساعة نتمنى أن يركض الزمن بنا ونغمض أعيننا ونفتحها ونحن فيما بعد الفترة الانتقالية، ننعم بأوقاتنا الخاصة معاً، يلبس البوبو أو القميص نص- الكم وقتما يحب.

ألبس ما أحب وامشي حافيه عندما أحب. نناكف أحلام، نسمع عباس تلودي مع قهوة الصباح يوم الأحد و نلتقي أصدقائنا وأحبابنا وقت ما نحب.

نقرأ أشعار البطانة وطرائف الواتساب والفيس بوك وكتب التراث وتاريخ السودان ونسمع اشعار ود بادي.
ولكن هناك نداء الواجب..
عرفتموه كرئيس لوزراء الفترة الانتقالية وعرفته زوجا، وصديقا ورفيق الدرب وشريك العمر حلوه ومره قرابة الثلاثين عام واتمني ان تطول. ولكن إذا دعا الداعي فروحه ليست أغلى من أرواح الشهداء، وكل مسرات الدنيا ..ودمه ودمي ودم أولادنا فداء للوطن واستقراره.

باج نيوز

Leave A Reply

Your email address will not be published.